Accéder au contenu principal

ملامحنا التي أضعناها في الطريق

 



هكذا أنا

في أعياد الميلاد
أنتظر حدوث المعجزات
أتناسى لوهلة
أنني لست نبيا
و لا وليا
أو حتى عبدا يحبه الإله
أطفئ شمعة الميلاد
و أرجو من السماء 
أن تهبني ليلا أبديا

في عيد ميلاده السبعين،
استيقظ وحيدا، ضجرا، و مكتئبا بعض الشيء.
نظر إلى جوربه الوحيد و قد قضمه فأر هرم جانب السرير.
منذ أن رحلت زهور، تكاثرت الفئران داخل المنزل، لم يكن يضيره وجودها قبلا، فهي لوقت طويل كانت تؤنس وحدته.
لكنها مؤخرا بدأت تزعجه قليلا، حين أخذت تزحف نحوه، تتكاثر داخل رأسه، تنهش ذاكرته، و تحدث هوة عميقة في الروح.
ارتدى نظاراته السميكة، و ألقى نظرة خاطفة حواليه، هل هذا ما حارب لأجله طيلة هذه المدة المدعوة عمرا، شقة باردة، جسد هزيل، و وحدة أبدية بحجم السماء.

مد يده المرتعشة نحو الراديو المتهالك الموضوع بعناية على الرف، عبث بالأزرار، لينسل صوت فيروز من الآلة.
زهور كانت تقول أن أغاني فيروز خلقت لليالي الباردة، التي لا يجد فيها الإنسان حضنا، أن صوتها قدسي يسد كل شرخ في الروح، لكنها ليست تثير فيه سوى الشجن، و الإحساس بالفقد، و تذكره كم هو طاعن في القدم، و كيف أن الذاكرة مؤذية حد الألم.

اليوم، و على غير العادة، قرر أن يحتفل، أضاف أربع معالق سكر إلى قهوته السوداء، و أشعل سيجارة.
لو كان أبناؤه السبعة معه اليوم، لما استطاع أن ينعم بلحظة موجزة من السكينة، كانوا ليتحلقوا حوله و يبدؤوا في المعاتبة، 
التزم بحميتك،
توقف عن التدخين،
هل ترغب في الموت؟

يسأله الناس كثيرا هذا السؤال، و هو يجد الأمر طريفا جدا، فكرة الموت وحدها كانت تجعل حياته الرتيبة قابلة لأن تعاش، الموت نعمة، و هو لا يسعه الانتظار حتى ينتقل إلى الضفة المقابلة، هناك حيث سيكف عن اجترار الذكرى، و لن يهمه البحث عن الجدوى، و لن تثقله الوحدة أبدا.
هناك، حيث بإمكانه النوم دون هواجس أو كوابيس، دون أن يلعب هذه اللعبة اللعينة مع شبح الموت.

سأله حفيده ذات يوم، و هو جالس في حضنه يتحسس تجاعيد يده، 

" با سيدي، إن عاد بك الزمن إلى الوراء، ماذا كنت ستفعل ؟ "

أغمض عينيه قليلا، مستحضرا طفولته، حين كان بلا ذاكرة و لا تجاعيد، حين كان أقل حكمة و أكثر سعادة ربما، 
حين كان يمارس الركض حافيا، حين كانت الهواجس مؤجلة، و حين كانت أيادي الجدات تربت على موضع الألم، فتخفيه إلى الأبد. 

ماذا كان ليفعل حينها ؟ 
ربما لرغب في أن يظل طفلا لمزيد من الوقت، 
للعن كل الكبار الذين أخبروه أن المخيلة مكان سيء جدا، و أن قدرته على الحلم لن تطعمه خبزا.
أفنى كل عمره في سبيل لقمة الخبز، لتنفلت الحياة من بين أصابعه، و يجد نفسه هرما، بروح متعبة، و أسنان متساقطة غير قادرة على اجترار لقمة الخبز الموهومة هذه. 

قرر زيارة زهور اليوم، 
ارتدى بذلته و قطع شارع مولاي يوسف بخطى متثاقلة، هنا كان هو و موسى، طفلين ضئيلين، يركضان على طول الشارع جيئة و ذهابا، يلوحان لأصحاب السيارات القليلة التي تمر، و يغرقان في الضحك دون أن يحملا على عاتقهما هم الغد. 

موسى كان على عكسه يحب الحياة، و يعيشها بكل حذافيرها. 
في يوم تقاعدهما، و حين كان هو حزينا جدا لترك العمل، و إحساس بالعجز يثقل كاهله، شد موسى على كتفه مبتسما،

" إننا نعيش أفضل سن يا صديقي، لا أحد يتوقع منك شيئا حيت تتقاعد،
ستنام ساعات أكثر دون أن تحمل هما، 
سنلعب الشطرنج معا، و يمكننا أن نسافر أيضا،
سنذهب إلى البحر كل مساء، و سندخن بعيدا عن لعنات زهور، و يمكننا أن نستمتع بالسماء أكثر؟
لقد انشغلت بالعمل كثيرا، و لم تتسن لي الفرصة أبدا لأتأمل الغروب و لو للحظة. "

رحل موسى قبله، رفيق الطفولة و السهر و أحاديث الليل الطويلة،
ابتلعته الأرض، لكن السماء لم تعد تبدو كما هي منذ ذلك الحين، أصبحت كبيرة و مثيرة للوحدة أكثر من أي وقت مضى.

لم تكن المقبرة مكانا سيئا لحفظ الأشخاص.
هكذا فكر و هو يقترب من قبر زهور، حيث كان يحط قط صغير، ملتو على نفسه نائم في سلام.
ألقى التحية، ثم مرر يديه على التربة الرطبة، تمنى لو كان بمقدوره أن يستلقي هنا، أن يتمدد إلى الأبد، أن يسمح للشمس بالنفاذ إلى جسمه عبر ثقوب الأرض، أن يسمح للأرض بأن تستعمل بقايا هذا الجسد، لتنبت مزيدا من الورود.
 
عاد إلى شقته يجتر مرارة الذكرى، ألقى حذاءه بعيدا، نظر إلى جوربه المثقوب، ثم قرر فجأة أن ينهي علاقته الشائكة مع فئران هذا البيت، لن يتعايش بعد الآن مع الأشياء التي تزعجه و لو على حافة العمر.
نصب مصيدة هنا و هناك، و ألقى ببعض السم في الأرجاء،

أضناه التعب، فألقى بجسده الهامد على السرير، و فكر،
متى يحين الوقت للقضاء على الفئران داخل رأسه أيضا؟

شيماء نقاش

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

The last confession

Parents are forgotten gods. My first act of worship was not a prayer but irrevocable love for my parents. It was easy to cast parents as gods when they were your eyes to a new life. The slow movement of your mouth as your teeth grind food, the small steps that you take confidently in a stride now, the smile that goes too wide because there is no shame in showing a moment of joy: all of my parents’ teachings live through me. I was their New Testament, their Vedas, their Torah, and so were they to me. Their voices wrestled in my head at every decision. What would my parents do? In moments of fear, I reached for the safe blanket of parental security to take cover in. Their ideas seemed so big and inconceivable. My inexperience ascended them to the pedestal of gods. I sought their blessing as earnestly as any believer. Heaven was the small smile of approval. Hell was the disappointment concealed behind indifference. It was important to maintain this balance, albeit impossible; my brain fou...

أن تنجو لتضيع

**الخريف الأول** أربعة حيطان تتكئ على بعضها البعض لتشكل في الأركان زوايا حادة أكثر من كونها قائمة، ولا تملك لنفسها ما يشد أزرها إلا سارية واحدة في المنتصف، فتظهر مظهرًا تعِبًا مُعابًا. لكن ما إن تغادر الشمس خدرها وتغزل أول غزلها، حتى تلبسه هذه الغرفة الكئيبة، فتَبُثَّ فيها من نور الحياة وبهجتها ما تبثه قطعة الحلوى في فم الطفل الصغير، وذكر الإله في فؤاد الشيخ الضرير. يستيقظ هو، عتيق الوجع، يابس الجذع، يذوي مع كل خطوة يخطوها نحو النافذة. يفتح علبة السجائر ليدخنها كلها، يرمي بنفسه في براثن الموت ليحيا. يستنشق الدخان ملء رئتيه، وتكاد عظامه الهزيلة تطِقُّ من انتفاخ صدره في محاولة يائسة أخيرة أن يستنشق الوجود، أن يمتصه، أن يحسه… لكنه منوّم ومشلول، غائب ومُغيَّب في أغوار الألم. أطلق الهاتف رنينه للمرة الثالثة وسط ضباب غرفته ورأسه، ثم أجاب: – ألو؟ – يا ابني، يا سعيد، مَرّ أسبوع ولم تزرني. مُرّ عليّ هذا الصباح، فقد حضرت كل الوصفات التي تحبها. وهذه بداية الخريف، وتحتاج إلى إفطار دافئ ورفقة. مُرّ عليّ ودعني أطمئن ...

التذكرة رقم 21

زارته الكلمات قبل أشعة الشمس. لا يزال مستلقيًا على نفس السرير، تكاد تجزم أنه فارق الحياة في نومه، غير أن حركات معطفه المعلَّق على جانب السرير، تباعًا لكل شهيق، كانت تُثبت عكس ذلك. فتح عينيه وانتظر بضع ثوانٍ حتى يرى النور يتسلل عبر الخزانة، ليدرك أنه فصل جديد، أو كما يحب أن يسميه منذ أسابيع: الرقصة الأخيرة. شقةٌ تتوسّل الانفصال. يتجوّل فيها قليلًا وكأنه يودّع ما تبقّى ويحزن على ما غادر. كانت بالأمس القريب ملتقى للحكايات والنكات، وها هي الآن بالكاد تهمس بما تبقّى من صدى الأصوات. ألقى معطفه فوق كتفه، فزاده ثِقَلًا، ثم حمل عكازه وغادر دون أن يلتفت، ولو لثانية واحدة من الحنين. أمام المأوى لا يختلف المشهد كثيرًا؛ رصيفٌ لا تقبله حتى الزبالة، ومنازل تهمس لبعضها عن قساوة ما يسكنها. خطواته متثاقلة، يبطئها ضعف الجسد وتثقلها قوة الهموم. يعرف طريقه جيدًا، يتوقف أمام المقهى — مُرغمًا تارة، ومُغرَمًا تارةً أخرى. كان يحب الشطرنج؛ لعلّه يرى في قطعه بقايا الفرسان الذين كانهم يومًا ما. غادر جلّ أصدقائه المقهى… والحيّ ربما؟ كل ما يعلمه أن من تبقّى بدأ يتآكل بالنسيان. لم يقضِ سوى بضع دقائق جالسًا. استأذن ب...