
أربعة حيطان تتكئ على بعضها البعض لتشكل في الأركان زوايا حادة أكثر من كونها قائمة، ولا تملك لنفسها ما يشد أزرها إلا سارية واحدة في المنتصف، فتظهر مظهرًا تعِبًا مُعابًا. لكن ما إن تغادر الشمس خدرها وتغزل أول غزلها، حتى تلبسه هذه الغرفة الكئيبة، فتَبُثَّ فيها من نور الحياة وبهجتها ما تبثه قطعة الحلوى في فم الطفل الصغير، وذكر الإله في فؤاد الشيخ الضرير. يستيقظ هو، عتيق الوجع، يابس الجذع، يذوي مع كل خطوة يخطوها نحو النافذة. يفتح علبة السجائر ليدخنها كلها، يرمي بنفسه في براثن الموت ليحيا. يستنشق الدخان ملء رئتيه، وتكاد عظامه الهزيلة تطِقُّ من انتفاخ صدره في محاولة يائسة أخيرة أن يستنشق الوجود، أن يمتصه، أن يحسه… لكنه منوّم ومشلول، غائب ومُغيَّب في أغوار الألم.
أطلق الهاتف رنينه للمرة الثالثة وسط ضباب غرفته ورأسه، ثم أجاب:
– ألو؟
– يا ابني، يا سعيد، مَرّ أسبوع ولم تزرني. مُرّ عليّ هذا الصباح، فقد حضرت كل الوصفات التي تحبها. وهذه بداية الخريف، وتحتاج إلى إفطار دافئ ورفقة. مُرّ عليّ ودعني أطمئن عليك، وعلى أخبار عملك.
– سأمر… سأمر، أمي.
باقتضاب أجابها. فقد رنّ الهاتف مرتين قبل ذلك، وقالت نفس الكلام، وردّ عليها بالإيجاب، وظن أن تكرارها للمكالمات كان من باب الإلحاح، لكنه كان أول علامات تشَظّي ذاكرتها.
أمي، ابني… لم يكن في تلك الكلمات ما يُقال عادة بين رجل وأم زوجته، لكنه أمسى يناديها وتناديه بذلك منذ الحادثة الصاعقة التي نزلت بهما وأفقدتهما ابنتها الزوجة، وابنته الحفيدة.
فانتحبت العجوز انتحاب الوالهة الثكلى، وانسلخ قلب الرجل الأرمل مكلوم الأبناء، واحترقا معًا في حميم الفجيعة.
ولما انجلت لَوْثَة الشَّجن قليلًا، أسِفتْ لحاله أكثر من حالها، وداوت ألمها بالتخفيف عن ألمه، ورأت فيه عطِيَّةً تركتها ابنتها لها قبل أن تعرج إلى السماء، لكي لا تبقى وحيدة في هذه الأرض الجرداء. فَثَمَّنَتْ وجوده وقررت أنه صار ابنها، دون إعلان صريح، ولم يُبدِ هو أيّ اعتراض. فأغدقت عليه بالنصائح والدعاء والأطباق اللذيذة، ولجأ إليها للمشورة والشكوى، كما رافقها في الأعياد ومواعيد الأطباء.
**الربيع**
أطلقت أمه – الحالية – أغاني فيروز في بيتها، وهي التي كفّت عن ذلك منذ موت ابنتها، ليس فقط حدادًا عليها، ولكن لأن الأسى افترس كل متعة داخلها، وافترش الكدر والفراغ.
واليوم، أول أيام الربيع. مع انفتاح الورود، انكمشت ذكرياتها، ووسط نضارة العشب ذبل عقلها، وأكرمها مرض ذهنها بالشفاء من ألم فؤادها. أصابتها نعمة الخلاص… أصابتها نعمة النسيان!
فدندنت فجأة، وبدون سابق إنذار، على إيقاع فيروز وغنائها.
ثم أتى هو في زيارته المعتادة، يدخل البيت مشدودًا لرهبة المكان وغرابة الموقف، يسيل من وجهه التعجب والحيرة، ويغرق أنفه في رائحة الكنس والتنظيف المبالغ فيه.
استقبلته بابتسامة مبتهلة، فقبّل رأسها، وربَّتت على كتفيه كأنما تحاول إزالة أعباء الأيام عنهما. ثم خاضا في حوارات عديدة، وهي تعبئ له أكياسًا من الفطائر والمعجنات والزيتون المخلل.
وقبل أن يهمّ بالرحيل، أردفت قائلة:
– بني سعيد، ارمِ معك هذه الخردة، فهي لا تجمع لي إلا الغبار.
تفحّص ما أعطته بيدين مرتجفتين، وحَلْقٍ غارق في بحر الصدمة والانفعال؛ فقد كانت تلك أغراض زوجته وابنته الراحلتين.
ثم قال، بلهجة ملتاعة:
– أتريدين أن ترمي أغراض آمنة ونور؟
فردّت متعجبة:
– من هما نور وآمنة؟
وسط تغريد عصافير الربيع في الخارج، أخذ الغراب الجائر في رأسه يصدر نعيبًا عاليًا، وينقر جبهته مسببًا صداعًا قاسيًا، ويسكب السواد في مقلتيه ليمسح الألوان ومعالم المكان. حتى ارتطم بالحائط وراءه، وبحقيقة أن الخرف بدأ يأكل ذهنها… ذهن العجوز المسكينة، كما أسماها في تلك اللحظة بينه وبين نفسه، حيث تنَصَّل من أمومتها بعدما توقفت هي عن كونها شريكته في المعاناة.
وحزن على حاله دون الحزن على حالها؛ فهي التي غدت حرة طليقة من أي تشويش أو تشويه لمثالية الحياة. وأحس أن الأرض انقسمت بينهما إلى عالمين مختلفين. خُيِّل له أنها تطير في الجنة بصفاء وسلام، تصادق الغمام وترافق سرب الحمام، وهو مكبّل في جهنم الماضي، يهوي في براكين الذاكرة ويذوب في نارها.
وبَغَضَ العجوز أشد البُغْض، وكره وحدته أكثر.
لعلها سُنّة الإنسان منذ الأزل، منذ آدم وحواء اللذين تشاركا العقاب والثواب ، فغدت ذريتهما تتعطش لرفقة تشاركها الأفراح والأتراح، ولو أن ذلك لا يغير الواقع، لكنه يجعله مقبولًا ومتقبَّلًا أكثر.
**الخريف الثاني**
يعود الخريف، وتعصف الريح بأفكار العجوز المسكينة، فتتساقط بسخاء مع تساقط أوراق الشجر. تنسى أن تأكل أو تشرب أو تستحم، تنسى المكان والزمان ومن هي. تقضي أغلب وقتها تحدّق في السقف وتتمتم بالكلمات.
المرأة التي كانت تطير حرة طليقة نسيت وجهتها، وكيف تحطّ وترتاح أو تتوقف لبرهة. فقد أصابتها لعنة الطيران… أصابتها لعنة النسيان!
ولما جاء زوج ابنتها ليأخذها إلى موعد الطبيب، وجدها تغرق في هذا الحال.
وبينما هما يمشيان في الطريق، يتخبط في أفكاره، وفي تدهور حالتها، وأنها العجوز المسكينة التي فقدت ابنتها، وحفيدتها، والآن تفقد نفسها، وأن النسيان منحها الحرية ليسلبها هويتها، ومنحها متعة مؤقتة ليكسوها بفراغ طويل الأمد…
علم حينها أنه لم يعد وحيدًا مرة أخرى في المعاناة، ولم يبقَ الأكثر بؤسًا في عالمهما.
استدار لكي يمسك بيدها، لكنه انتبه أنها لم تعد تمشي في جانبه… وأنه فقدها في الطريق.
فجزع، وأخذ يصرخ باحثًا:–
أمي!
Commentaires
Enregistrer un commentaire