لطالما كان الربيع رمزًا للجمال والتوازن، إذ إنّه يمثل عودة الانسجام والاستقرار بعد فترةٍ صاخبةٍ ومضطربة، فهو الفصل الذي ينتظره الجميع بكلّ الصبر كي يتمكنوا من الاستمتاع بالعالم دون خوفٍ من تقلب أحوال الطقس.
نعم، الربيع يمثل تلك المكافأة على صبرٍ دام لأشهر ضد بردٍ وصقيعٍ قارصين، ضد فترةٍ تكون مصحوبةً في غالب الأحيان بكثير من العقبات والتعاسة، ضد شبحٍ مظلمٍ وكئيب يقيد الروح ويثقل فؤاد ضحاياه، ليخيَّل لهم أنهم غرقوا في سوادٍ عاتم ولا سبيل للخروج منه.
لطالما كانت حياة الإنسان مليئةً بتلك اللحظات التي يخيم فيها اليأس كسحابةٍ سوداء تحجب النور وتطفئ الأمل، وتخمد الشغف حتى يتحول إلى استسلامٍ وانكسار. لا تؤمن ضحيتها بالخلاص منها ولا من قسوتها. يكون رجوع الأحوال لما هي عليه أمرًا شبه مستحيل، والفناء ببؤسٍ وسط ذلك الظلام أمرًا لا محالة منه. لا يخيل لنا أن الأمل، رغم ضآلته كحبة الخردل، ينتظر فقط إشارة القدر واللحظة المناسبة ليعيد المياه إلى مجاريها. قد لا نكون على دراية بما يحدث حولنا، إلا أن الأمل يجد طريقًا ليخلصنا مما نحن فيه، وشيئًا فشيئًا يعود الاستقرار إلى حياتنا. قد لا ننسى ما مررنا به من قسوةٍ وتعاسة، إلا أننا نتعايش مع تلك المشاعر، نتعلم منها ونحاول تجنبها على الأقل.
لا نتمكن من الجزم بأن الشتاء لن يخيم مرةً أخرى، إلا أننا ندرك بأنه سيتبعه ربيع يعيد السلام والهدوء إلى حياتنا.
إن الأمل في وجود ربيعٍ مثمرٍ ودافئ بعد شتاءٍ عاصفٍ وقاسٍ هو ما يمثل جوهر حياة الإنسان، الذي يكون ضعيفًا أمام أي مرحلةٍ صعبة يمر بها، يظن بأنها حطمت كل أحلامه وطموحاته، غير مدرك بأن المثالية مفهوم لا وجود له، مفهوم اختُرِع لينفي وجود العلل، إلا أن هذا المفهوم لا ينطبق على الإنسان أو حياته بشكل عام.
صحيح أن الضعف أمام بعض المواقف يكون أقوى من قدرة الإنسان على مواجهته، إلا أن الإيمان بوجود ضوءٍ في نهاية طريقٍ مظلم يخلصنا من ذلك الضعف والشعور بالهزيمة. فزهور العالم قد تذبل وتفنى، إلا أنها ستعوَّض بزهور أكثر جمالًا وحيوية، فالشتاء ليس أبديًا، والربيع سيحل دائمًا مهما تأخر بزوغ فجره، لننعم بدفئه وسلامه من جديد.
أمين لكريم

Commentaires
Enregistrer un commentaire