كتب جبران خليل جبران: "يقال إن النهر يرتجف خوفًا قبل أن يصب في البحر. ينظر إلى الوراء، إلى الطريق الذي سلكه من قمم الجبال، الطريق الطويل المتعرج الذي يعبر الغابات والقرى. وأمامه يرى محيطًا شاسعًا، حتى أن دخوله يبدو وكأنه اختفاء أبدي. لكن لا سبيل آخر. فالنهر لا يستطيع العودة..."
أجدني كالنهر، أينما أولي وجهي يستوقفني ما أمر به، لكنني أهاب ما يحادي المحيط من مناطق مفتوحة دون أمد، لا تمثل إلا نهاية مسار ولا تُبلغ إلا مرة واحدة، فهي بداية النهاية، تدخلها فتُفقد، والأكيد أنك لن تعود منها فتولد، بعدما ألفت موضع نشأتك و بداية رحلتك، بتعقيداته, تحدياته و انعراجاته.
دورة حياة الكائنات واحدة، تنزل من السماء كقطرة، كبذرة، كعلقة، سمها ما شئت، تبدأ رحلتها كأقرانها من منبع واحد، وتجعل الوسط يحتها وتحته، تصير القطرة سيلا، تصير العلقة جنينا، وتصير البذرة برعما ينمو حسب ظروف موقعه والتضاريس التي نشأ فيها، فإما أن يكون السيل بطيئا، هادئا أو أن يكون جارفا، لكنه دائما عذب وجار. فالمرء ابن بيئته.
قد ينسى النهر منبعه وإن لم يتغير، لكنه لا ينسى مساره حتى لو تغير، فالمسار واحد والطريق واحد، تمر منه كل قطرة، فلا يتبدل منها غير ما تجره معها، و في كل منعرج تصبح أكثر عذوبة وأقل نقاوة، وهذه سنة الحياة. ما أكثر المنعطفات، وما أغلب المنعرجات، قد تجد قطرة نفسها مدفوعة خارج السيل مرات عديدة، لكنها عائدة له لا محالة، أو أن موضعها هو نهاية مسارها، ولا ضير في ذلك.
لكن ما يجعل النهر يرتجف ويجعلني أرتعد خوفا هو أن مصبك محتوم، لكنك لا تدري أين، تعرف أنه محيط تختفي فيه إلى الأبد، يصير فيه العذب مالحا، والمعلوم مجهولا، فلا تجد إلا مكانا مفتوحا تنتظر فيه مصير غيرك، أن تتغير هيئتك وتبدأ دورة جديدة قد لا تكون كغيرها، فالمرء ابن بيئته، أو أن تختفي للأبد، لكنها سنة الحياة.
خليل شكري

Commentaires
Enregistrer un commentaire